أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
131
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أي : فلم يجبه ، وقيل : بل السين للطلب ، ورجّح قول الأخفش بأنّ كونه للطلب يستدعي حذف جملة ، ألا ترى أنّ المعنى استدعوا نارا فأوقدوها ، فلمّا أضاءت لأنّ الإضاءة لا تتسبّب عن الطلب ، إنما تسبّب عن الإيقاد . والفاء في « فلمّا » للسبب . وقرأ ابن السّميفع « 1 » : « كَمَثَلِ الَّذِينَ » بلفظ الجمع ، « اسْتَوْقَدَ » بالإفراد ، وهي مشكلة ، وقد خرّجوها على أوجه أضعف منها وهي التوهّم ، أي : كأنه نطق بمن ، إذ أعاد ضمير المفرد على الجمع كقولهم : « ضربني وضربت قومك » ، أي ضربني من ، أو يعود على اسم فاعل مفهوم من استوقد ، والعائد على الموصول محذوف ، وإن لم يكمل شرط الحذف ، والتقدير : استوقدها مستوقد لهم ، وهذه القراءة تقوّي قول من يقول : إن أصل الذي : الذين ، فحذفت النون . و « لمّا » حرف وجوب لوجوب هذا مذهب سيبويه . وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء أنها ظرف بمعنى حين ، وأنّ العامل فيها جوابها ، وقد ردّ عليه بأنها أجيبت ب « ما » النافية وإذا الفجائية ، قال تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً « 2 » وقال تعالى : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ « 3 » ، وما النافية وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما فانتفى أن تكون ظرفا . وتكون « لمّا » أيضا جازمة لفعل واحد ، ومعناها نفي الماضي المتصل بزمن الحال ، ويجوز حذف مجزومها ، قال الشاعر : 217 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم يجبنه « 4 » وتكون بمعنى إلا ، قال تعالى : وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا « 5 » في قراءة من قرأه « 6 » . و « أضاء » يكون لازما ومتعديا ، فإن كان متعديا ف « ما » مفعول به ، وهي موصولة ، و « حوله » ظرف مكان ومخفوض به ، صلة لها ، ولا يتصرّف ، وبمعناه : حوال ، قال الشاعر : 218 - وأنا أمشي الدّألى حوالكا « 7 » ويثنيان ، قال عليه السّلام : « اللهم حوالينا » « 8 » ، ويجمعان على أحوال . ويجوز أن تكون « ما » نكرة موصوفة ، و « حوله » صفتها ، وإن كان لازما فالفاعل ضمير النار أيضا ، و « ما » زائدة ، و « حوله » منصوب على الظرف العامل فيه « أضاء » . وأجاز الزمخشري أن تكون « ما » فاعلة موصولة أو نكرة موصوفة ، وأنّث الفعل على المعنى ، والتقدير : فلمّا أضاءت الجهة التي حوله أو جهة حوله . وأجاز أبو البقاء فيها أيضا أن تكون منصوبة على الظرف ، وهي حينئذ إمّا بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ، التقدير : فلمّا أضاءت النار
--> ( 1 ) محمد بن عبد الرحمن اليماني من أعلام القراءات . غاية النهاية ( 2 / 161 ) . ( 2 ) سورة فاطر ، آية ( 42 ) . ( 3 ) سورة العنكبوت ، آية ( 65 ) . ( 4 ) البيت نسب لذي الرمة وليس في ديوانه . انظر الهمع ( 2 / 57 ) ، المغني ( 1 / 280 ) ، الدرر ( 2 / 73 ) ، الصاحبي ( 219 ) ، الأشموني ( 4 / 6 ) ، الخزانة ( 10 / 113 - 117 ) ، اللسان ( لمم ) . ( 5 ) سورة الزخرف ، آية ( 35 ) . ( 6 ) انظر السبعة ( 586 ) . ( 7 ) البيت لضب يخاطب ابنه . انظر الكتاب ( 1 / 176 ) ، الكامل ( 374 ) ، أمالي الزجاجي ( 130 ) . ( 8 ) أخرجه البخاري ( 2 / 15 ) ( 35 ، 36 ، 37 ، 38 ) ، ومسلم -